الغزالي

103

إحياء علوم الدين

وهي ضرورية في الجبلة . فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك . ومهما بقي أصل الشهوة ، فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة ، حتى يحمله ذلك على إمساك المال . وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية . بل المطلوب ردها إلى الاعتدال ، الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط . والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا . وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ، ومع قوته منقادا للعقل . ولذلك قال الله تعالى * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) * « 1 » وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن الغضب : ولو بطل الغضب لبطل الجهاد . وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية ، والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك . إذ قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر » [ 2 ] وكان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب ، حتى تحمر وجنتاه . ولكن لا يقول إلا حقا . فكان عليه السلام لا يخرجه غضبه عن الحق . وقال تعالى * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) * « 2 » ولم يقل والفاقدين الغيظ . فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال ، بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ، ولا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما ، والغالب عليهما ، ممكن . وهو المراد بتغيير الخلق . فإنه ربما تستولى الشهوة على الإنسان ، بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال . فدل أن ذلك ممكن . والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها

--> « 1 » الفتح : 29 « 2 » آل عمران : 134